فن وثقافة

بائع البطيخ

بقلم/ أحمد عيسى
إنه رجلٌ لا يُمكن أن تقتحمه العين دون استرعاء ونَظَر، نعم هو فاكهاني كباقي البائعين من البشر، أو هكذا بدا لي بجلبابه الفضفاض السابغ، وصِديره الأبيض الناصع، ولهجته الصعيدية بيِّنة البَدَاوة والبَلَد.
لكن كان ثَمّ شيء يجذبني إليه.. شيء ما في الرجل جِدّ مختلِف، تُرى هل بشاشته غير المعهودة عند متجهمي الصعيد وأبناء النجوع والقرى، وعابسي باعة الفاكهة والخُضَر؟!
وإن تعجب فعجبٌ أن ترى “عُمَر” يجمع بين هذه المتناقضات تُرّاً، بين بِنْيَة جسمٍ ممتلئة في غير ترهل، متماسكة في غير خلل، قوية في غير ضعف ولا خَوَر.
وكأني بـ”عمر” قد تأثر ببيع فاكهته الأثيرة لديه والمميزة لديه، بل كأن البِطِّيخ قد انعكس ناضحاً على مُحيَّا الرجل؛ إذ كان رأسه كبيراً مستديراً من نوع الرؤوس التي يهبها الله إمّا لعباقرة من أساتذة الجامعات، أو لجبابرة من المعلمين والفتوات!!
وإن تنظر إلى “عمر” ترَ أكرشَ قد مكث يرفُل سنين عدداً في فواكهَ وثمر؛ لذلك كانت جلابيبه تفصيلاً يدوياً وحياكةً، ولم تكن من طراز صناعة جاهزة أو مميكنة.
وتمثل جلابيب “عمر” ظاهرة في حدِّ ذاتها، فالتفصيلة واحدة لا تتغير، صَدر مفتوح، وأكمام منتفخة رحيبة، وطول سابغ، وعَرْض واسع، هذا وإن تغيَّرت الألوان وتعددَّت خامات الأقمشة بين قطن صيفي، وصوف شتوي، ولربما كان جلباب واحدٌ من جلابيب “عُمَر ” كافياً لتفصيل ثلاثة جلابيب لبعض رجالٍ من متوسطي الطول والقامة، ممتلئي الجسم منتفخي البدن.
وأغرب ما لفتني في جلباب “عمر” أنه يبدو منضبطاً عليه كأنما ولُد به، ثم نما الجلبابُ بنمو “عمر” جنيناً، ثم وليداً، فطفلاً، وغلاماً يافعاً، ثم شاباً، ثم رجلاً سالم البنية مفتول القُوَى.
إن “عمر” إذا خلع جلبابه في موسم الشتاء ليتوضأ مجتزئاً بالجلباب الداخلي و”الكلسون”، استبان يقيناً لمن ينظر إلى جلبابه المخلوع المُعلّق على الِمشْجَب أن الجزء الأمامي للجلباب أطول من الجزء الخلفي.
وقد هُديتُ بعد لأيٍ وشِقِّ نَفْسٍ إلى معرفة السبب، ذلك أن حائك “عمر” يتوخى هذا عند الخياطة، ويراعيه ليُقَدِّرَ في السَّردِّ انحناء الكرش وامتلاء الحوض والصدر والبطن!!
وقد استرعاني كذلك أن “عُمَر” لا ينادي بصوت خفيضٍ ولا جَهْوَرِيّ على بضاعته لا من البِطِّيخ ولا من غيره، ولم يحدث قطُّ أن فتح “عمر” بِطِّيخَة وعرضها على عربته ليجذب بها المشترين؛ إغراءً لهم بحُمرتها الفاقعة، أو حلاوتها المتوقعة، أو “بترميلها” الواضح، وينعها النضيج اللائح.
وكان “عمر” يحتفظ أسفل عربته بدَلْو ماءٍ ومِقَشَّة بلح، كما لم تخلُ عربته أبداً من أكياس الفاكهة، وسكين يختفي في كفّ يده الضخم الكبير كالموسى في حِدَّة نصله، وسرعة مُضيه، وقوة نفاذه وقطعه.
الكاتب: أريد بِطِّيخة وَفْق اختيارك وضمانك.
عمر: اقبلها إن راقت لك وإلا فاستردَّ مالك.
ثم صوَّب “عمر” نظره إلى ثلاث بِطِّيخات، صفعهن وقلبهن في لمح البصر، ليختار واحدة ويُدخلها حقيبة بلاستيكية سوداء.
الكاتب: هل تعرف جودة البِطِّيخ بقرعك له وضربك عليه يا “عمَر”؟
عمر: البِطِّيخ كالبشر بعد عِشرة وخِبرة تدرك جوهرهم بسريع النظَر.
الكاتب: هل حكمتَ على بِطِّيخة بحُمرة ثم خانك التقدير والبصَر؟
عمر: نَعم لأظل مؤمناً أن الله علام الغيوب على كل شيءٍ قد قَدَر.
الكاتب: لماذا لا تشق بِطِّيخة وتعرض على المارّة حُمرتها وروعتها؟
عمر: إن هذا يجذب الذُّباب إليها فيسارع إلى عطبها وفسادها.
الكاتب: لِمَ ترصّ البِطِّيخَ على رمْلٍ بعيداً عن لفح حَرٍّ وشمس؟
عمر: هذا أدعى للحفاظ عليه سليماً يانعاً معافى ناضجاً وجَافاً.
الكاتب: لماذا لا تنادي بصوتك على بضاعتك؟
عمر: ضوضاء.. تُزْعج ولا تَرْزُق.. تَكْذِب ولا تَصْدُق.
الكاتب: ولمَ هذه الدلو وتلك المكنسة؟
عمر: الدلو أرش منها الماءَ بحُسبانٍ وقَدَر، بعد قَمِّي وكنسي لما حول الفاكهة والثَّمر، ولا أحبُّ أن أرشَّ بخرطوم ماءٍ درءاً للسَّرَف واتقاءً للهَدَر.
الكاتب: لماذا أراك مبتهجاً خاصّة في موسم البِطِّيخ دون فصول السنة؟
عمر: تعلمتُ البسمة من البِطِّيخة أشقها فإخالها تفترُّ راضية ضاحكة.
الكاتب: وهل بمقدور إنسانٍ أن يتعلم من ثمرةٍ أو فاكهة؟
عمر: إن في اخضرار البِطِّيخ بهجة للناظرين، وفي حُمْرتِه بذل وعطاء يحاكي دماء الأبطال والمجاهدين!
الكاتب: وماذا تقول في لُبِّ البِطِّيخ الأسود؟!
عمر: عطاء بلا حدود، البِطِّيخة تأسرك بخُضرتها، وتُطعمك بحُمرتها، وتُسليك بلُبها وبذُورها، كما يأكل قشرها الدوابُّ والطيور الداجِنة.
الكاتب: عند استجلابك صفقة بِطِّيخ وتخزينه قد تسقط واحدة أو أكثر أثناء المناولة والتناوش فتُكسر أو تُصْدَع.. فماذا تفعل؟
عمر: أكثر البِطِّيخ عندي للبيع، وأقله للهديّة، وأقل منه للصدقة، أما ما يقع فينشق ويُكسر، أو يسقط فيُفتح، فهو رزقي وأسرتي، وقُوت دواجني ودابتي.
الكاتب: هل تقبل استرداد بِطِّيخةٍ لعيبٍ بها أو فسادٍ وعَطَب؟
عمر: كيف أستحل مال امرئ أشَراً وشَرَهاً.. أبالباطلِ يا رجُل؟!
الكاتب: ما شعورك إن شققتَ بِطِّيخةً ففاجأك بياضٌ كاللبن؟
عمر: هي رسالة تقول: إن لم تنجح يا “عُمَرُ” في نفْع البَشَر
فكُن أبيضَ القلب خالياً من حَسَدٍ وحِقْدٍ وضَغَنٍ وكَدَر!!

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: